الشيخ حسن أيوب

60

الحديث في علوم القرآن والحديث

كانت لغة وأشد ما كانت عدة ، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد اللّه وتصديق رسالته ، فدعاهم بالحجة فلما قطع العذر وأزال الشبهة وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية دون الجهل والحيرة ، حملهم على حظهم بالسيف فنصب لهم الحرب ونصبوا له ، وقتل من عليتهم وأعلامهم ، وأعمامهم ، وبني أعمامهم ، وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن ويدعوهم صباحا ومساء إلى أن يعارضوه ، إن كان كاذبا بسورة واحدة أو بآيات يسيرة ، فكلما ازداد تحديا لهم بها ، وتقريعا لعجزهم عنها تكشّف عن نقصهم ما كان مستورا ، وظهر منه ما كان خفيّا ، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له : أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف ، فلذلك يمكنك ما لا يمكننا ، قال : فهاتوها مفتريات فلم يرم ذلك خطيب ، ولا طمع فيه شاعر ، ولا رغب فيه ليتكلفه ، ولو تكلفه لظهر ذلك ، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكابر فيه ، ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض ، فدل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم ، واستحالة لغتهم وسهولة ذلك عليهم وكثرة شعرائهم ، وكثرة من هجاه منهم وعارض شعراء أصحابه وخطباء أمته ؛ لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله ، وأفسد لأمره ، وأبلغ في تكذيبه ، وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس والخروج من الأوطان وإنفاق الأموال . أوجه الإعجاز لما ثبت كون القرآن معجزة نبينا صلّى اللّه عليه وسلم ، وجب الاهتمام بمعرفة أوجه الإعجاز وقد خاض الناس في ذلك كثيرا فبين محسن ومسيء . فزعم قوم أن التحدي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذات ، وأن العرب كلفت في ذلك ما لا يطاق وبه وقع عجزها ، وهو مردود لأن ما لا يمكن الوقوف عليه لا يتصور التحدي به ، والصواب ما قاله الجمهور أنه وقع بالدال على القديم وهو الألفاظ . ثم زعم النظام : أن إعجازه بالصرفة : أي أن اللّه صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم ، وكان مقدورا لهم ، لكن عاقهم أمر خارجي فصار كسائر المعجزات ، وهذا قول فاسد بدليل : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ . . . [ سورة الإسراء آية : 88 ] ، فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم ، ولو سلبوا القدرة لم تبق فائدة لاجتماعهم لمنزلته منزلة اجتماع الموتى ، وليس عجز الموتى مما يحتفل بذكره ، هذا مع الإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن فكيف يكون معجزا وليس فيه صفة إعجاز ، بل المعجز هو اللّه تعالى حيث سلبهم القدرة على الإتيان بمثله ؟ !